جعفر آل ياسين

32

الفارابي في حدوده ورسومه

ويصلح عندئذ أن تجعل جملته جزء قول جازم ، وأقلّ ما منه تأتلف الحدود جزءان . وأقدم أجزاء الحدود مرتبة من القول ، أشدّ تأخّرا من المتأخّر ، أي أنّ المتأخر من أجزائه ينبغي أن يكون هو الأقدم - علما بأنّ الحدود تتعيّن بالأجناس والفصول الذاتية أصلا ، فما لا جنس له لا يكون له حدّ ؛ ومثال ذلك الأجناس العالية حيث لا أجناس فوقها ؛ فلا حدود لها إذن ، بل لها رسومها المتعينة فقط . ويتحدث الفارابي حديثا طريفا في كتابه الموسوم ( فلسفة أفلاطون ) « 30 » يتعلق بنشأة اللغة وطريقة تأديتها ودلالة معانيها فيقول : « هل تلك الصناعة هي صناعة اللسان ؟ . وهل إذا أحاط الإنسان بالأسماء الدالّة على المعاني على حسب دلالتها عند جمهور تلك الأمّة التي لها ذلك اللسان وفحص عنها وعرفها على طريق أهل العلم باللسان سيكون قد أحاط علما بجوهر الأشياء ( ماهياتها ) وحصل له بها ذلك العلم المطلوب ، إذ كان أهل الصناعة يظنون بأنفسهم ذلك ؟ » . . أجل يستعير أبو نصر هذا السؤال ليتخذه أساسا لمناقشاته عن دلالة المعاني التي تتناثر في كتبه المنطقية ، وخاصّة في كتابيه : الحروف والألفاظ المستعملة في المنطق . وأسوق لك ملخصا تدرج الفارابي في طريقته هذه التي يربط فيها بين نشأة اللغة من جهة ، ودلالة المعاني أو تعريفاتها من جهة أخرى : فالإنسان بفطرته يسعى ، عندما يريد أن يعرّف إنسانا ما بما في ضميره ، إلى استعمال تعريف الإشارة أولا للدلالة على ما يريد ؛ بحيث يبصر الطرف الآخر إشارته تلك وغايته منها . ثم يتطور الأمر فيستعمل طريقة التصويت ؛ وأوّل التصويتات هو

--> ( 30 ) انظر : الفارابي - فلسفة أفلاطون وأجزاؤها ومراتب أجزائها من أوّلها إلى آخرها . . حقّق الكتاب لأول مرّة الأستاذان ريتشارد فالتزر وفرانتز روزنتال ، وطبع بلندن عام 1934 - ثم حقّقه للمرّة الثانية الدكتور عبد الرحمن بدوي ونشره في كتابه الموسوم : أفلاطون في الإسلام ، طهران 1974 ص 6 - 27 .